29/04/2012

كيف تعرف ما ترغب فيه حقّا؟ -1


إلى هذه النقطة يمكن أن تظن أن تحديد رغباتك القلبية سوف يكون سهلا. لكن من خلال تجربتي وجدتُ أن هذا ليس سهلا بالنسبة لأغلب الناس. و هذا مردّه أنّنا لم نتعلّم أن نركّز على رغباتنا القلبية. لقد دُرِّبنا على استعمال ذهننا و ليس قلبنا. أستطيع أن أبدأ في إخبارك عن عدد الناس الذين قالوا لي أنهم لا يعرفون ماذا يريدون أن يكونوا، أن يفعلوا أو أن يحصلوا عليه في حياتهم. إنهم لا يزالون يبحثون. و سبب ذلك أنهم يحاولون إيجاد الحل باستعمال رأسهم-أو ذهنهم المنطقي. المشكل أنه عندما نستعمل رأسنا- أو ذهننا المنطقي لتمثّل أي حل، فإننا نستطيع فقط أن نلج إلى المعلومات الموجودة مسبقا هناك.
كل القرارات المتخذة من ذهننا يقع تصفيتها عبر ما نعرفه مسبقا، و هو الذي يعتمد على تجاربنا السابقة. إذن فنحن مهزومون مسبقا لأنه من المستحيل على الذهن المنطقي أن يرى إمكانيات. الذهن يعرف فقط شيئا واحدا: البقاء. و طريقة بقائه هي بالبحث في الماضي و أخذ قرارات حول المستقبل اعتمادا على ما حدث في الماضي. إنه لا يعرف شيئا آخر.
القلب، من الجهة الأخرى، لا يعرف حدودا. لأنه مرتبط بذاتك الأصيلة-شريكك الأساسي الصامت و مصدر الطاقة.
 إذن كيف نحدد رغباتنا القلبية الحقيقية؟

واحدة من الطرق السهلة لتحديد رغباتنا القلبية الحقيقية هي أنها دائما مشدودة بمشاعر قوية. هذا مهم لأن امتلاك شعور قوي هو ما يوفّر التحفيز لكي تُفعل الأشياء في الحياة. هو يعطينا أيضا مستوى عال من النجاح و الرضا و اللهو أثناء العملية. رغباتك القلبية الحقيقية تخلق أيضا شيئا يسمّى "طاقة مغناطيسية خلّاقة". هذه القوة الخلاقة هي القوة الوحيدة، الشديدة كفاية، لتسند التركيز و الفعل المستمرّين و اللازمين لبلوغ رغباتك القلبية.
حياتك هي قصيرة و ثمينة لتضيّع وقتك في أشياء تفكّر أنه يستحسن أو يتعيّن أو يجب أن تكونها أو تفعلها أو تحصل عليها.
أجل. هناك أوقات يجب عليك فيها القيام بما تحتاج أن تفعله لعائلتك، لمشغّليك، لجماعتك ولبلدك ! و لكن حتى الواجب يكون متعة عندما يكون متماهيا مع رغباتك القلبية الحقيقية.
إنه واقع حياة أنك ستلاقي دائما بعض ال"يتوجّب عليك" في طريقك نحو "ما ترغب فيه"- و هي رغباتك القلبية الحقيقية. بعض هذه الواجبات يمكن أن تكون بغيضة، صعبة، مكلفة أو حتى مؤلمة. لكنك- و أتمنى أنك تستوعب هذا- لن تنزعج من القيام بها إن جاءتك في الطريق نحو رغباتك القلبية الحقيقية. في كثير من الأحيان و أمام هذه الواجبات، قد يصيبك نوع من الإحباط الشعوري، لأنك لست متعوّدا على التعامل مع ما تحس به في المستوى القلبي. أغلب حياتك تحاول أن تحيا عبر رأسك-لا قلبك. إذن فأنت غير متماس مع ما ترغب فيه حقا.

ما أود أن أفعله الآن، هو أن أعطيك منهجيّة بثلاث خطوات تستطيع أن تستعملها لتساعدك على تكشّف و فتح الأبواب لرغباتك القلبية الحقيقية.
لكن قبل أن نبدأ، أريد أن أنبّهك بأن هذه الخطوات يمكن أن تكون مخيفة قليلا. هذا ما أريد أن أنبّهك بشأنه بالتحديد: ما إن تفتح هذه الأبواب، لن تستطيع العودة إلى ما كنت فيه الآن، حتى تحيا حياة سعيدة و مبهجة و مكتملة. سبب هذا هو أنه ما إن تكتشف ما أنت بصدد قراءته، ستكون مرغما في مستوى واع و لاواع على إجلاء رغباتك القلبية الحقيقية. إذن يمكن أن تمر ببعض الإحساسات الوقتية غير المريحة، قبل أن تصفّف نفسك مع رغباتك القلبية الحقيقية. في المقابل فإنك لن تندم على القيام بهذا التمرين لأنك ما إن تذهب في هذه الخطوات الثلاثة، فإنك ستكون في الطريق نحو أكثر حرية و سعادة من أي تجربة مضت.
سوف أرافقك خلال الخطوات الثلاث. ليس عليك في الواقع أن تقوم بها في هذا الحين. يمكن أن تقوم بها بعد قراءة هذا المقال. و لكن تأكّد بأنك ستقوم بها لأنك ستضيع شيئا يمكن أن يغيّر حياتك بشكل مثير.

حسنا. هاهي:

الخطوة الأولى: الشيء الأول الذي أريدك أن تفعله هو أن تسأل نفسك هذا السؤال: ما الذي أود أن أحصل عليه في حياتي و ليس لدي في هذا الآن؟
هذا واحد من أهم الأسئلة التي سوف تطرحها على نفسك على الإطلاق. السؤال مصمّم لتتكشّف على رغباتك القلبية الحقيقية في مختلف مجالات حياتك. اسأل ذلك السؤال ثم خذ بعض الوقت و انظر ماذا يتبادر إليك. تأكد بأن تكتب الإجابات.
اسأل نفسك السؤال مرّة أخرى: ما الذي أود أن أحصل عليه في حياتي و ليس لدي في هذا الآن؟ و واصل كتابة مهما يتبادر إليك. إن لم تأتك الإجابة مباشرة، فلا تقلق.
هذه بعض الأسئلة البديلة التي يمكن أن تسألها لنفسك لإيجاد الإجابة لهذا السؤال: ماذا أحب أن أفعل إن لم يكن هناك أي قيود أو عوائق؟  لو كان المال أمرا غير داع للقلق بشأنه، مالذي سوف أود أن أفعله؟ مالذي يجعلني سعيدا جدا؟ مالذي يجعلني أضحك؟ مالذي يوجّه مشاعري بشكل إيجابي عندما أفكّر به؟ مالذي يبدو أني أفكّر به دائما عندما أحلم يقظا حول شيء ما أود حقا أن أكونه أو أفعله أو أحصل عليه؟ مالذي أحب أن أفعله لأساعد الآخرين؟ ماهي الخصائص أو السمات الشخصية التي أود أن أحصل عليها و لكنها ليست لدي الآن؟ ماهو نوع المظهر الجسدي الذي أردتُ دائما أن أطوّره؟ مالذي أريده من أفراد عائلتي؟ مالذي أريده من الآخرين؟ مالذي أفعله أنا و صديقي المفضّل للهو؟ و هذا سؤال جيّد: مالذي اعتدتُ على فعله، و استمتعتُ به، و لكن لا أفعله الآن؟
كل واحد من هذه الأسئلة هو مصمّم لإثارة تجاوب شعوري قوي. ليست كلّها رغباتك القلبية الحقيقية. ستحتاج إلى التأمل في هذه الأسئلة مرّة أخرى بعد قراءة هذا المقال و كتابة الأجوبة. أما الآن، فدعني أواصل مرافقتك خلال الخطوات التي ستظهر لك رغباتك القلبية الحقيقية.

حسنا.
الخطوة الثانية: اسأل نفسك هذا السؤال: لو أني أحصل على هذا* في حياتي، أو كنتُ كذلك*، أو أستطيع أن أفعل ذلك* (* الإجابة على السؤال الأول)، فكيف سيجعلني ذلك أشعر؟
الآن اسأل نفسك هذا السؤال حول كل رغبة حدّدتها بالسؤال الأول. هذا سيساعدك على فرز إجاباتك حول السؤال الأول. طرح السؤال الثاني يساعدك على تجاوز رغباتك السطحية و التركيز على ما هو حقّا مهم لك.
أريد أن أؤكّد أنه كلّما كان الشعور أو الإحساس أقوى بعد الإجابة على السؤال، كلّما ازددتَ قربًا من رغباتك القلبية الحقيقية. و لكن بحثك لم ينته. عليك الآن أن تُكمل الخطوة الثالثة!

الخطوة الثالثة: حتى تكون الإجابات على السؤالين الأولين فعّالة، تحتاج إلى قيس قوّة رغباتك القلبية. إذن، في مقياس من 1 إلى 100، إلى أي حدّ، أريد أيّا من هذه الأشياء؟
عليك أن تصبح حسّاسا جدّا إلى شدّة إجاباتك الشعورية فيما اكتشفته في الخطوة الأولى و الثانية. هذه الحساسية ستساعدك على أن تقيس بدقّة شدّة رغباتك. الشدّة هي كلّ شيء عندما يتعلّق الأمر بإنجاز رغباتك القلبية. درجة واحدة أو درجتان من الشدّة يمكن أن تُحدث فرقا هائلا في النتائج التي تحقّقها.
كمثال، لو أنك تريد أن تطهو بعض الخضروات، عليك أولا أن تغلّي الماء إلى 100 درجة مئوية حتى تجعل الماء يغلي. لو أن الحرارة هي بين 35 و 40 درجة مئوية، فإن الماء سيبدو دافئا و لن يحصل شيء. 90 درجة هي قريبة جدّا و لكنّها مع ذلك لن تفعل شيئا. فقط عندما تبلغ الحرارة 100 درجة مئوية فإن الماء سيبدأ في الغليان و يجلب لك النتائج التي تريدها.
الرسم البياني للزلازل أو مقياس ريشتر يقيس مغناطيس الزلزال بين 0 و 10. هل تعجّبت لمرّة لماذا هناك فرق مثير بين زلزال ب5 و زلزال ب7 على مقياس ريشتر؟ السبب هو أن كل رقم زائد في مقياس ريشتر يمثّل زلزالا عشر مرّات أقوى من الرقم الذي تحته. إذن عندما يقدّر زلزال ب7 في مقياس ريشتر فإنه في الواقع 10 مرّات أقوى و 10 مرّات أكثر تخريبا من واحد يسجّل 6.
الآن، تماما مثل مقياس ريشتر الذي يسجّل شدّة الزلازل، عليك أن تدنو من شدّة رغباتك و مشاعرك و أحاسيسك باستعمال "مقياس شدّة الرغبة القلبية" و الذي له مجال من 1 إلى 100.
إذن هذا ما تحتاج إلى فعله: أريدك أن تأخذ كل رغبة واحدة على حدة، و تركّز عليها حقّا. بينما تفعل ذلك أريدك أن تتخيّل أن هناك عدّاد شدّة ملتصقا بجسدك. و أنت تحسّ برغبتك القلبية، أريدك أن تلقي نظرة إلى ما يقيسه العدّاد على مقياسك لشدّة الرغبة القلبية. هل هي 1 أو 100 أو شيء ما بينهما؟
مهما كانت الإجابة، تأكّد من كتابتها.

الآن هذه هي كيفية تقييم ما كتبته.

لو أن رغبتك تقدّر من 1 إلى 20 على مقياسك لشدّة الرغبة القلبية، يمكن أن تكون متأكّدا بأنها ليست أكثر من نزوة أو هوى عابر أو أمنية أو شيء سيعطيك إشباعا وقتيا أو لذّة حينية.
هذه الأشياء هي مضيعة للوقت.

لو أن رغبتك تقدّر من 20 إلى 40 على مقياسك لشدّة الرغبة القلبية، فإنه من المرجّح أن هذه هي الأشياء التي تظن أنه يستحسن أو يتعيّن أو يجب عليك أن تكونها أو تفعلها أو تحصل عليها. هذا يشتمل على الواجبات و الفرائض و المهمّات التي يكلّفك بها الآخرون أو أي استحثاث أو استعجال من أناس آخرين. يمكن أيضا أن تكون متأكدا بأنها أبعد من أن تكون رغباتك القلبية الحقيقية.

لو أن رغبتك تقدّر من 40 إلى 60 على مقياسك لشدّة الرغبة القلبية، فإنك تبدأ في التسخين، و لكنها مع ذلك ليست رغباتك القلبية.

لو أن ما ترغب فيه يقدّر ب80 إلى 90 على مقياسك لشدّة الرغبة القلبية، فإنه في العادة شيء ما مهمّ بالنسبة لك و شيء ما لك اهتمام قوي به و لك تحفيز داخلي لإنجازه أو تجربته.

أنت قريب جدّا الآن.

لو أن ما ترغب فيه يقدّر ب100 على مقياسك لشدّة الرغبة القلبية، فهذه هي رغبة قلبية حقيقية.
هذا ما سيجعلك تشعر بأنك حقّا سعيد و مكتمل.

باختصار، الأشياء التي لن تفعلها أبدا في ألف سنة هي 1 في مقياسك لشدّة الرغبة القلبية. الأشياء التي أنت نوعا ما مهتمّ بها، يمكن أن تودّها أو أي شيء تحس بأنك "نصف-قلبي" أو لست ملتزما بها كلّيا، هي عادة في مكان ما بين 40 و 80 على مقياسك. في المقابل، فإن رغباتك القلبية الحقيقية هي دائما 100 على مقياسك لشدّة الرغبة القلبية.

أيضا، أبقِ في ذهنك بأن 100 هي 10 مرّات أقوى من 90 على المقياس. رغباتك القلبية على المقياس هي مثل تلك العشرة على مقياس ريشتر.

و هذا شيء آخر مهمّ لفهمه: عندما تلاحق رغباتٍ تنزل تحت 90 على مقياسك لشدّة الرغبة القلبية، و تواجه العوائق و المشاكل المحتومة لبلوغها، فإنك ستجد أنك لن تمتلك القدرة أو الحث أو الحافز لتجاوزها. سوف تصاب بالوهن ثم ستستسلم. ثم عندما يحدث ذلك فإنك ستصاب بالخيبة و ستبدأ حتى في لوم نفسك لأنك لم تحصل على ما تريده.
90 يمكن أن تكون ممتازة إن كانت عددا في امتحان على 100 نقطة. و لكن 90 على مقياسك لشدّة الرغبة القلبية سوف يوصلك فقط إلى 90 بالمائة من الطريق إلى هناك. إذ ليس لديها بداخلها القدرة الفطرية لإطلاق القوّة الداخلية الكاملة –أو الطاقة المغناطيسية الخلاقة بداخلك. فقط الرغبات التي تقدّر ب100، يمكن أن تكون مصدر الحماسة و الانضباط الأساسيين.  هي الرغبات الوحيدة التي ستزوّدك بالمثابرة و القدرة على تجاوز أي و كل العوائق. شدّة هذه الرغبات القلبية ستنشّط مشروعك، عائلتك، عملك، علاقاتك و حياتك.
منهجيّة الخطوات الثلاثة التي أعطيتها إياك للتو، هي أهم شيء يمكن أن تقوم به في هذا الآن، لتحسين جودة حياتك.

و هذا مزيد من بعض الأخبار الجيّدة: ما إن تكتسب مهارة التعرّف على رغباتك ذات ال100 على مقياسك لشدّة الرغبة القلبية، فإنه ليس عليك أن تقوم بهذا التمرين مرّة أخرى للأبد.

Aucun commentaire:

Publier un commentaire